ابن سعد

57

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )

( 1 ) ما يصنعون فلم أزل عندهم . وأعجبني ما رأيت من صلاتهم وقلت في نفسي : هذا خير من ديننا الذي نحن عليه . فما برحتهم حتى غابت الشمس وما ذهبت إلى ضيعة أبي ولا رجعت إليه حتى بعث الطلب في أثري . وقد قلت للنصارى حين أعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام . قال ثم خرجت فرجعت إلى أبي فقال : أي بني أين كنت ؟ قد كنت عهدت إليك وتقدمت ألا تحتبس . قال قلت : إني مررت على ناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم ورأيت أن دينهم خير من ديننا . قال فقال لي : أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم . قال قلت : كلا والله . قال فخافني فجعل في رجلي حديدا وحبسني . وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني قد رضيت أمرهم وقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام فآذنوني . فقدم عليهم ركب منهم من التجار فأرسلوا إلي فأرسلت إليهم : إن أرادوا الرجوع فآذنوني . فلما أرادوا الرجوع أرسلوا إلي فرميت بالحديد من رجلي ثم خرجت فانطلقت معهم إلى الشام . فلما قدمت سألت عن عالمهم فقيل لي صاحب الكنيسة أسقفهم . قال فأتيته فأخبرته خبري وقلت : إني أحب أن أكون معك أخدمك وأصلي معك وأتعلم منك فإني قد رغبت في دينك . قال : أقم . فكنت معه . وكان رجل سوء في دينه . وكان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه حتى جمع سبع قلال دنانير ودراهم . ثم مات فاجتمعوا ليدفنوه . قال قلت : تعلمون أن صاحبكم هذا كان رجل سوء . فأخبرتهم ما كان يصنع في صدقتهم . قال فقالوا : فما علامة ذلك ؟ قال قلت : أنا أدلكم على ذلك . فأخرجته فإذا سبع قلال 77 / 4 مملوءة ذهبا وورقا . فلما رأوها قالوا : والله لا نغيبه أبدا . ثم صلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة وجاؤوا بآخر فجعلوه مكانه . قال سلمان : فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس كان خيرا منه أعظم رغبة في الآخرة ولا أزهد في الدنيا ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه . وأحببته حبا ما علمت أني أحببت شيئا كان قبله . فلما حضره قدره قلت له : إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى فما ذا تأمرني وإلى من توصي بي ؟ قال : أي بني ما أرى أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل . فأما الناس فقد بدلوا وهلكوا . فلما توفي أتيت صاحب الموصل فأخبرته بعهده إلي أن ألحق به وأكون معه . قال : أقم . فأقمت معه ما شاء الله أن أقيم على مثل ما كان عليه صاحبه . ثم حضرته الوفاة فقلت : إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي ؟ قال : أي بني والله